برصيد 13 بطولة بلقب السائقين و10 تتويجات بلقب الصانعين، حفر فريق ماكلارين اسمه عميقاً كأحد أعظم الفرق عبر التاريخ في سباقات الفورمولا واحد.
وعاد ماكلارين إلى منصات التتويج معلنا بذلك تجاوزه “أزمة منتصف العمر” بقوة أكبر وعزيمة لا تلين.
فكيف وقع هذا الفريق الأسطوري في دوامة الأداء المخيب؟ وكيف استطاع أخيراً “فينيق الفورمولا 1” أن ينهض من رماده، ويتألق مجدداً على منصات التتويج؟
حقبة التراجع
لطالما اعتُبرت ماكلارين أسطورة في عالم السباقات؛ فالفريق الذي أسسه النيوزيلندي بروس ماكلارين عام 1963 حقق نجاحات هائلة في القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين.
إلا أن تلك الأمجاد لم تحصّنه من السقوط في فخ التراجع.
بحلول منتصف العقد الماضي، دخل الفريق مرحلة مظلمة ومرتبكة.
فبعد آخر بطولة عالم للسائقين أحرزها لويس هاميلتون في 2008، وأحدث لقب للصانعين في 1998، أخذ بريق ماكلارين يخفت تدريجيًا.
في عام 2015 سجل الفريق أسوأ موسم في تاريخه، مكتفيًا بـ27 نقطة فقط طوال العام ومحتلًا المركز التاسع (قبل الأخير) في ترتيب الصانعين – وهو تراجع لم يشهد مثيله منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وقد وصف مسؤولون في الفريق تلك الفترة بأنها كانت بمثابة “كارثة حقيقية” على سمعة ماكلارين وأدائه، وهو ما يدفع للسؤال عن السبب الكامن وراء هذا الأداء المخيب غير المسبوق.
قراءة في الأسباب
السبب الرئيسي وراء التراجع كان الشراكة التقنية الجديدة آنذاك مع شركة هوندا لتزويد المحركات.
فمنذ موسم 2015، دخلت ماكلارين الحقبة الهجينة بمحركات هوندا على أمل استعادة أمجاد حقبة “سينا - بروست” في أواخر الثمانينات، لكن النتائج جاءت صادمة؛ إذ عانت ماكلارين ثلاث سنوات عجاف مع هوندا بين 2015 و2017 لم تصعد فيها منصة التتويج مطلقًا، وواجهت مشاكل موثوقية وسرعة جعلتها تتذيّل الترتيب بانتظام.
حتى السائق الإسباني المخضرم فرناندو ألونسو لم يستطع تغيير الواقع المرير، وأصبح صوت إحباطه يتردد عبر اللاسلكي واصفًا محرك هوندا بأنه أشبه “بمحرك سيارات جي بي2” في إحدى السباقات، كتعبير ساخر عن ضعف الأداء.
داخل أروقة الفريق، سادت حالة من عدم الاستقرار الإداري؛ فقد شهدت ماكلارين بابًا دوّارًا للمدراء التنفيذيين والرياضيين في تلك الحقبة، ما عمّق أزمة غياب الرؤية.
زاك براون – رجل التسويق الأميركي الذي انضم إلى الإدارة أواخر 2016 – رسم صورة قاتمة لما رآه عند قدومه، حيث قال إن الفريق كان يفتقر إلى “القيادة الرشيدة والنظام”، وأن الانقسامات الداخلية وغياب الثقة تسببت في أجواء سلبية خانقة في المصنع.
ببساطة، وجدت ماكلارين نفسها خارج قمة الترتيب؛ فريق بطل تحول إلى شبح باهت يتلقى الهزائم، والجماهير والعاملون على حد سواء يتساءلون: متى وكيف ستنتهي هذه النكسة؟
قرارات جريئة
رغم السواد الذي خيّم على لوحة ماكلارين في منتصف العقد الماضي، كانت تباشير الفجر تلوح في الأفق مع اتخاذ سلسلة من القرارات الجذرية.
البداية الحقيقية لرحلة التصحيح كانت نهاية 2017، عندما قررت إدارة ماكلارين قطع العلاقة المرهِقة مع هوندا.
كان ذلك قرارًا صعبًا لكنه ضروري، فالفريق أنهى عقد المحركات اليابانية قبل أوانه وتحول إلى استخدام محركات رينو بدءًا من موسم 2018.
هذه الخطوة وُصفت بأنها “لحظة صحوة”، إذ تبيّن حينها أن مشكلة ماكلارين لم تكن في المحرك وحده؛ فحتى مع محرك رينو الأفضل نسبيًا، ظل هيكل السيارة وأداءها أقل من مستوى الطموح.
تغيير هرم القيادة
أدرك الجميع أن الداء أعمق، في بنية الفريق وثقافته التقنية التي تراخت عن مواكبة العصر، تزامن ذلك مع تغيير كبير في هرم القيادة.
تولى زاك براون دورًا تنفيذيًا أكبر، ثم أصبح الرئيس التنفيذي لماكلارين Racing في 2018، وانطلق في إعادة هيكلة شاملة.
أزاح براون عددًا من الوجوه القديمة واستقطب كفاءات جديدة، مؤكدًا أن “القيادة المناسبة في القمة هي الشرط الأول للإصلاح”.
وتم تعزيز الإدارة الفنية بتعيين مدير فريق جديد هو الألماني أندرياس زايدل في 2019، وهو مهندس متمرّس جاء من عالم سباقات التحمّل.
كما استقدم الفريق مواهب هندسية جديدة وعاد بعض الخبراء المخضرمين، وبدأت ثقافة العمل الداخلية تتغير.
يروي براون أنه عند قدومه فوجئ بعقلية الانهزام؛ إذ كان أفراد ماكلارين يتحدثون عن “الكبار الثلاثة” (مرسيدس وفيراري ورد بول) كأن المنافسة على القمة محصورة بينهم وماكلارين خارج الحسبة.
وقد اعترف أن هذا المنطق “أثار جنونه” ودفعه لإعادة غرس الثقة بعبارة: “نحن ماكلارين – فريق كبير حتى وإن كنّا في ورطة، ويجب أن نعود إلى مكاننا الطبيعي”.
وبالفعل، بدأ هذا التحول الذهني ينعكس على الأداء تدريجيًا.
المستوى التقني
على الصعيد التقني، ضخت الإدارة موارد ضخمة لتحديث منشآت المصنع في ووكينغ بإنجلترا.
فبعد سنوات من الاعتماد على نفق هوائي قديم أو مستأجَر، قررت ماكلارين بناء نفق رياح حديث ومتطور خاص بها لضمان تطوير ديناميكي أفضل للسيارة.
كما تم الاستثمار في أدوات المحاكاة والحوسبة، لتواكب ماكلارين منافسيها تقنيًا بعد أن اعترفت سابقًا أنها تأخرت في تبني تقنيات جديدة خلال حقبة التراجع.
الدعم البحريني
وسط فصول قصة نهوض ماكلارين، يبرز فصل خاص باللونين الأبيض والأحمر؛ إنه فصل البحرين التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حكاية نجاح الفريق.
فالمتابع الدقيق يلحظ أن يدًا بحرينية داعمة كانت تمتد لماكلارين في أحلك ظروفها، تمدها بمقومات الصمود ثم عوامل النهوض.
هذا تجلى في الدعم البحريني لماكلارين سواء ماليًا عبر ممتلكات، أو لوجستيًا عبر توفير بيئة تجارب مثالية، أو معنوياً عبر التشجيع والحضور.
إن الدور البحريني في نهضة ماكلارين لم يكن مجرد رعاية اسمية أو استثمار صامت، بل مثال يُحتذى على الشراكة الرياضية الاستراتيجية.
فالبحرين راهنت على فريق عريق يمر بمحنة، ولم تتخلَّ عنه وقت الشدة، بل كانت العضد الذي يستند إليه للوقوف مجددًا.
ربما كان الاستقرار المالي هو حجر الأساس الذي أتاح لكل هذه الجهود أن تؤتي ثمارها.
هنا تحديدًا برز الدور المصيري للدعم البحريني؛ حيث شكل صندوق ممتلكات البحرين السيادي – المستثمر الأكبر في ماكلارين منذ 2007 – داعماً لاستقرار الفريق في مواجهة آثار تراجع النتائج وتفاقم التكاليف”.
عانى الفريق في عام 2020 من ضائقة مالية حادة بسبب جائحة كورونا وانهيار الإيرادات، حتى أن زاك براون صرّح أن ماكلارين كانت على بعد “أشهر فقط من خطر الانهيار” لولا ضخ أموال عاجلة لإنقاذها.
وفعلاً، تدخلت مجموعة من المستثمرين بقيادة ممتلكات لتوفير السيولة اللازمة في الوقت المناسب، مما حفظ للفريق استمراريته.
هذا الدعم المالي الاستراتيجي مهّد الطريق لكافة التغييرات التقنية والبشرية التي تلت.
العودة لمرسيدس
ومن القرارات المفصلية أيضًا كان التحول إلى محركات مرسيدس مجددًا اعتبارًا من موسم 2021.
فعلاقة ماكلارين التاريخية بمرسيدس – التي توّجت ببطولات كثيرة في عقدي التسعينيات والألفين – عادت لتربط الفريق بمحرك يعد الأقوى في الفورمولا 1.
مع محرك مرسيدس الموثوق وفريق العمل المجدد، بدأت النتائج الإيجابية بالظهور.
في عام 2019 حقق الفريق المركز الرابع في بطولة الصانعين واستعاد وتيرة الصعود إلى منصات التتويج لأول مرة منذ سنوات، وذلك عبر السائق كارلوس ساينز في سباق البرازيل.
ثم جاء موسم 2020 ليحتل الفريق المركز الثالث في الترتيب العام، في مؤشر واضح أن السفينة البرتقالية استعادت توازنها.
وتوّجت تلك الجهود بفوزٍ طال انتظاره في موسم 2021، حيث حقق دانيال ريكاردو انتصارًا مذهلًا لماكلارين في سباق جائزة إيطاليا الكبرى (مونزا)، وهو أول فوز للفريق في سباق جراند بري منذ ما يقارب 9 سنوات.
لم يكن ذلك الفوز مجرد صدفة سعيدة، بل دليل على أن جميع القطع بدأت تترابط في لوحة نهضة ماكلارين.
يقول المراقبون إن حزمة التطوير الشاملة التي أدخلها الفريق على سيارته في منتصف موسم 2023 – تحديدًا في سباق النمسا – كانت نقطة فارقة أعادت ماكلارين فعليًا إلى مصاف المنافسين الكبار، حيث بدأ الفريق يسجل أزمنة تضاهي أو تفوق أسرع الفرق.
وهكذا، بنهاية 2023 كان من الواضح أن ماكلارين جاهزة للعودة إلى المسرح بطلةً، لا مجرد مشارك يحاول اللحاق بالركب.
العودة إلى البطولات
مع مطلع موسم 2024، ظهرت ماكلارين بثوب البطل الواثق.
ثنائي السائقين الشاب المكوّن من البريطاني لاندو نوريس والأسترالي أوسكار بياستري أثبتا انسجامًا وسرعة جعلت الفريق “الحصان الأسود” الذي قلب موازين البطولة.
لم تعد منصات التتويج أمرًا نادرًا لماكلارين كما في السنوات السابقة، بل أصبحت قاعدة شبه معتادة في كل سباق.
وفي النصف الثاني من الموسم، تحقق الحلم الذي انتظره جمهور الفريق طويلًا: ماكلارين تنتزع لقب بطولة العالم للصانعين لعام 2024، لتُعلن عودتها الرسمية إلى نادي الأبطال.
كان ذلك أول تتويج لماكلارين في بطولة الفرق منذ 1998، أي بعد 26 عامًا من الغياب، مما جعل الإنجاز تاريخيًا بكل معنى الكلمة.
عاشت المقصورة البرتقالية لحظات لا تنسى عندما حسم نوريس الفوز في سباق أبوظبي الختامي، مؤكدًا تفوق ماكلارين على العمالقة التقليديين.
عودة ماكلارين إلى القمة لم تكن مجرد فوز بلقب واحد، بل تدشينًا لعصر جديد من التميز.
فالفريق لم يركن إلى أمجاده المستعادة، بل واصل الزخم في الموسم التالي أيضًا.
في 2025، بدا أن ماكلارين مصممة على الحفاظ على عرشها، حيث دخلت في صراع تنافسي على لقبي الصانعين والسائقين مع فرق الصف الأول، بل وتصدر بياستري ترتيب بطولة السائقين مبكرًا يليه زميله نوريس، في مشهد يؤكد استمرارية القوة البرتقالية.
وبالفعل نجح نوريس في انتزاع بطولة العالم للسائقين بنهاية هذا العام في تتويج مزدوج مع إحراز ماكلارين لقب الصانعين للمرة الثانية على التوالي.
هذه الإنجازات المتتالية أعادت اسم ماكلارين إلى مكانته الطبيعية كرقم صعب في “الفورمولا 1”.
أسماء أسطورية
لإدراك حجم التحول الذي حدث، يجدر بنا وضع انتصارات اليوم في سياق تاريخ الفريق.
ففريق ماكلارين كان دومًا أحد عمالقة البطولة: حقق حتى عام 2008 ما مجموعه 12 لقبًا عالميًا للسائقين و8 ألقاب للصانعين، محتلاً مكانة الفريق الثاني الأكثر تتويجًا في تاريخ الفورمولا 1 بعد فريق فيراري العريق.
أسماء أسطورية مرّت عبر ماكلارين وسجلت بطولات بأحرف من نور؛ من إيمرسون فيتيبالدي الذي منح الفريق أول لقب عالمي عام 1974، مرورًا بـجيمس هانت بطل 1976، ثم حقبة الثمانينات الذهبية مع نيكي لاودا وآلن بروست وآيرتون سينا الذين حصدوا ألقابًا متتالية جعلت ماكلارين قوة مهيمنة عالمياً.
وفي أواخر التسعينات أضاف ميكا هاكينن لقبين عالميين (1998 و1999)، قبل أن يأتي لويس هاميلتون بلقب دراماتيكي عام 2008.
هذا الإرث البطولي توقف عند 2008 كما أسلفنا، ودخل الفريق في فترة صيام طويلة عن الألقاب.
لذلك فإن عودة ماكلارين لمنصة التتويج العالمي في 2024 – ثم تكرار الإنجاز في 2025 – لا تمثل مجرد لقبين إضافيين، بل هي بعث جديد لتاريخ مجيد وانتصار على سنوات اليأس والانتظار.
التاج الثلاثي
وتعززت مكانة ماكلارين الحديثة بالأرقام أيضًا.
فبعد تتويجات 2024–2025، ارتفع رصيد الفريق إلى 13 لقبًا لبطولة السائقين و10 ألقاب لبطولة الصانعين في سجلات الفورمولا 1، ليتجاوز بذلك فريق ويليامز ويصبح رسميًا ثاني أكثر فريق تتويجًا بالبطولات في التاريخ خلف فيراري (16 لقب للصانعين) وفقاً لإحصائيات الفورمولا 1 الرسمية.
كما تخطى الفريق عتبة الانتصار رقم 200 في سباقات الجائزة الكبرى خلال رحلته نحو القمة الجديدة – وهو إنجاز لم يصل إليه سوى فريق فيراري قبله.
وإجمالاً، استعادت ماكلارين سمعتها كفريق يتمتع بثقافة الفوز، حيث بات منافسوها يهابون رؤيتها في مرآة سياراتهم من جديد.
جدير بالذكر أيضًا أن ماكلارين تملك تميزًا تاريخيًا آخر وهو تحقيقها “التاج الثلاثي” في رياضة المحركات؛ فهي الفريق الوحيد الذي فاز بثلاثة سباقات أسطورية في عالم السباقات: سباق جائزة موناكو الكبرى للفورمولا 1، وسباق إنديانابوليس 500 في أميركا، وسباق لومان 24 ساعة للتحمّل.
هذا الإنجاز الاستثنائي الذي حققه الفريق في فترات متفرقة (1974 و1995 وغيرها) يبرهن على إرث ماكلارين المتنوع وقدرتها على المنافسة في مختلف الساحات.
واليوم، مع عودتها لبطولة الفورمولا 1 بقوة، تجمع ماكلارين مجددًا بين المجد التاريخي والزخم الحالي لتكتب فصلاً جديدًا من الأسطورة.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.
