لماذا فشل فيلم "موت روبن هود" جماهيريا رغم إشادة النقاد؟

3 weeks ago 7

Published On 16/8/2026

هل استنفدت السينما الأمريكية إمكانات حكايات الأبطال الشعبيين إلى الحد الذي بات فيه "قتل الأسطورة" هو المسار الوحيد المتبقي لإعادة إحيائها؟ تكرر هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة مع محاولات تفكيك رموز ثقافية راسخة، من أبطال الغرب الأمريكي الذين فقدوا يقينهم الأخلاقي، إلى أبطال خارقين تحولوا من رموز للعدالة إلى شخصيات مأزومة تبحث عن الخلاص أكثر مما تبحث عن الانتصار.

وفي هذا السياق يأتي فيلم "موت روبن هود" (The Death of Robin Hood) ليعيد النظر في واحدة من أشهر الأساطير الإنجليزية، بعيدا عن الاحتفاء بالبطل الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، مستعيدا جانبا أكثر قسوة من الحكايات القديمة، حيث تختلط البطولة بالدم وتتراجع الصورة المثالية أمام رجل ارتبط اسمه بالقتل والنهب بقدر ما ارتبط بالعدالة.

اقرأ أيضا

list of 2 itemslist 1 of 2رسائل من كلينتون ولوحة من القمامة.. أشهر مقالب جورج كلوني في هوليودlist 2 of 2غزة إلى سباق الأوسكار 2027.. سويسرا تختار وثائقي "من لا يزال حيا"end of list

الرجل خلف الحكاية

تدور أحداث الفيلم عام 1247، حين يعيش روبن هود (هيو جاكمان) المتعب من عقود القتل، في عزلة قاسية هربا من ماض لا يكف عن ملاحقته. وحين يطلب منه صديقه القديم إدوارد (بيل سكارسغارد)، المعروف باسم ليتل جون، المساعدة في معركة أخيرة، يوافق روبن أملا في أن تكون هذه هي النهاية التي طالما تمناها.

وبعيدا عن عالم القتال الذي عرفه لسنوات، يجد روبن نفسه أمام حياة مختلفة تقوم على الرعاية والثقة بدلا من القوة. ومع اقترابه من أشخاص لا يعرفون تاريخه، يبدأ في مراجعة حياته وما تركه وراءه، لينتقل الفيلم من عنف مباشر في بدايته إلى مساحة أكثر تأملا يصبح فيها الصراع داخليا أكثر منه مع أعداء جدد.

تفكيك الأسطورة.. روبن هود قبل أن يصبح بطلا

استلهم سارنوسكي الفيلم من قصص الماضي المرتبطة بروبن هود، وعلى نحو خاص الروايات المبكرة التي لم تمنحه الصورة الجذابة التي استقرت لاحقا في الثقافة الشعبية. ولا يحاول الفيلم إثبات أن روبن هود التاريخي كان قاتلا، فذلك يصعب حسمه في ظل الطبيعة الفولكلورية للشخصية وتعدد الروايات التي تشكلت حولها عبر القرون.

لكن سارنوسكي عاد إلى هذا الموروث ليتخيل حياة قاطع طريق في العصور الوسطى، بما تحمله من قسوة وتناقضات أخلاقية، بدلا من التعامل معه باعتباره بطلا مكتملا كما استقر في المخيلة الحديثة.

وهو ما يتسق مع اهتمام المخرج بشخصيات تتكشف هويتها من خلال علاقتها بالآخرين أو من خلال الأشياء التي فقدتها، ففي فيلم (Pig)، كان البحث عن الخنزير المفقود مدخلا إلى ماض البطل -الذي لعب دوره نيكولاس كيدج- وعلاقته بالعالم من حوله. أما هنا، فيصبح تاريخ روبن نفسه هو المدخل إلى الشخصية؛ إذ يضع المخرج رجلا يعرفه الجميع داخل حياة لا تشبه الصورة التي يعرفونها عنه.

لهذا لا يعتمد الفيلم على المفارقة البسيطة بين روبن هود البطل وروبن هود القاتل، وإنما يمنح الشخصية مساحة رمادية تسمح برؤية الاثنين معا. فالعنف ليس سرا يريد الفيلم كشفه والبطولة ليست حقيقة يريد هدمها، بل كلاهما جزء من حياة رجل أصبح اسمه أكبر من تجربته. ومن هذه المسافة يُمنح روبن هود فرصة، نادرا ما تتكرر، في تاريخ الشخصيات لأن يكون إنسانا قبل أن يكون أسطورة.

أداء يثقل الشخصية

لا يمكن إنكار أن هيو جاكمان هو مركز الثقل الحقيقي للفيلم، إذ يمنح روبن هود مزيجا من الصلابة والإنهاك والندم من دون الاعتماد على الحوار لشرح تناقضاته، فيبني الشخصية من خلال الجسد والنظرات وبطء الحركة، وكأن كل تفصيل يكشف ثقل السنوات التي عاشها في سفك الدماء. ويكتسب الأداء بعدا إضافيا بعد عودته إلى وولفرين في "ديدبول وولفرين"، إذ يواجه جاكمان هنا أيضا شخصية تلاحقها آثار السنوات الماضية، لكن في سياق أكثر إنسانية.

وتقدم جودي كومر أداء هادئا متماسكا، وتمنح الشخصية حضورا أخلاقيا يتجاوز دور المرأة التي تنقذ روبن وإن ظل النص أقل اهتماما بمسارها. ومع أن بيل سكارسغارد وموراي بارتليت ونواه جوب يقدمون أداءات جيدة، فإن شخصياتهم لا تحصل على العمق الكافي، ولهذا يبقى الفيلم، تمثيليا، معتمدا بدرجة كبيرة على قدرة جاكمان على حمل الجانب النفسي للشخصية الرئيسية.

سارنوسكي.. العصور الوسطى بلا رومانسية

من جهته، لا يحاول سارنوسكي تقليد أفلام روبن هود السابقة، بل يعيد تقديم الحكاية داخل عالم قاس يفتقر إلى الرومانسية التي أضافتها السينما إليها فتتحول الطبيعة إلى امتداد للحالة النفسية للشخصية.

وقد مُنحت الصورة ملمسا ماديا واضحا خاصة في المناظر الطبيعية والمواقع الحجرية، مع تنويع نسب العرض بما يخدم الانتقال من العزلة والاتساع إلى القرب من الشخصيات. وإن بدت الصورة أكثر تماسكا من الإيقاع الدرامي، بسبب اتجاه الفيلم للهدوء بعد بداية عنيفة وسريعة. ومع أن هذا التحول يخدم طبيعته التأملية، فإنه يضعف التوتر، خصوصا أن النصف الثاني لا يحافظ دائما على الطاقة التي بناها الجزء الأول.

حين لا تتفق جودة الفيلم مع حظوظه التجارية

ورغم محاولة صنع فيلم ملحمي تاريخي جاد، كشف "موت روبن هود" فجوة واضحة بين الاستقبال النقدي والجماهيري؛ فمن جهة، حظي العمل بإشادة لجرأة الفكرة وأداء هيو جاكمان وجودة التصوير، مقابل انتقادات للإيقاع وعمق بعض الشخصيات. ومن جهة أخرى جاء شباك التذاكر أكثر قسوة.

وتتجلى المفارقة في كون الفيلم يحمل اسم شخصية جماهيرية معروفة ويقوده نجم كبير، لكنه في المقابل قرر التخلي عن معظم العناصر التي جعلت روبن هود قابلا للتسويق، بين المغامرة المرحة والبطل التقليدي والنهاية المنتصرة. ما يجعل المشكلة ليست في اختلاف الفيلم بقدر ما هي في اختياره نسخة من روبن هود لا تشبه ما ينتظره جمهور هذه الشخصية.

ورغم أن اسم "روبن هود" قد يوحي للوهلة الأولى بعمل عائلي على غرار النسخ الكرتونية والمغامرات السابقة، فإن الفيلم بعيد كل البعد عن هذا التصنيف بسبب العنف الدموي الشديد إلى جانب أجواء قاتمة تتناول الذنب والموت والانتقام بشكل مباشر. لذلك فهو أقرب إلى دراما تاريخية نفسية موجهة إلى الجمهور البالغ، وليس إلى العائلة أو الأطفال.

ومع ذلك يبقى فيلم "موت روبن هود" تجربة تستحق التوقف عندها، لا لأنها قدمت إجابة حاسمة عن معنى البطولة، بل لأنها اختارت أن تعيد الشخصية إلى مساحة أكثر التباسا، حيث لا تكفي الحكاية القديمة لتبرئة صاحبها ولا يكفي الاسم الأسطوري لمحو تبعات حياة كاملة.

Read Entire Article