المطار.. حين تتحول بوابة السفر إلى وجهة سياحية

1 month ago 6

1.47 مليار سائح دولي سجلهم العالم في العام 2025  

مليارا دينار بحريني إيرادات السياحة بالبحرين في 2025

نمو قطاع الإقامة والطعام في البحرين بنسبة 6.4 % في 2025

لم يعد المطار مجرد محطة يصل إليها المسافر قبل ركوب الطائرة أو بعد هبوطها، بل أصبح جزءا من التجربة السياحية التي تبدأ منذ اللحظة الأولى للرحلة، فمع اشتداد المنافسة بين الوجهات العالمية تحولت المطارات إلى مراكز متكاملة للتسوق والترفيه والضيافة تسعى إلى إطالة مدة بقاء المسافر وزيادة إنفاقه وليس فقط تسهيل انتقاله، ويأتي هذا التحول في وقت يعتمد فيه أكثر من 58 % من السياح الدوليين على النقل الجوي للوصول إلى وجهاتهم، فيما سجل العالم نحو 1.47 مليار سائح دولي خلال العام 2025 مقتربا من مستويات ما قبل الجائحة، ومن هنا لم يعد الاستثمار في المطارات استثمارا في قطاع الطيران فقط بل في تنافسية الوجهة السياحية وقدرتها على جذب الزوار وتعظيم العائد الاقتصادي من كل رحلة.

المطارات.. من بنية للنقل إلى محرك اقتصادي
شهدت المطارات خلال العقدين الماضيين تحولا جذريا في نموذج أعمالها فلم تعد تعتمد بصورة رئيسة على رسوم هبوط وإقلاع الطائرات، بل أصبحت تبني جزءا متزايدا من إيراداتها على الأنشطة التجارية التي تستهدف المسافرين، ويعود ذلك إلى إدراك مشغلي المطارات أن كل دقيقة إضافية يقضيها المسافر داخل المطار تمثل فرصة لزيادة الإنفاق على التسوق والمطاعم والخدمات، وهو ما جعل تجربة المطار عنصرا اقتصاديا لا يقل أهمية عن كفاءة التشغيل.
وتعكس الأرقام هذا التحول بوضوح، إذ تشير بيانات مجلس المطارات الدولي (ACI) إلى أن الإيرادات غير المرتبطة بالطيران مثل الأسواق الحرة والمطاعم والتجزئة والإعلانات شكلت نحو 36.7 % من إجمالي إيرادات المطارات عالميا في العام 2023، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى نحو 47 % في مطارات الشرق الأوسط وهي الأعلى بين مختلف مناطق العالم، ويؤكد ذلك أن المنطقة لم تعد تتنافس فقط على استقطاب الرحلات الجوية بل على تعظيم القيمة الاقتصادية لكل مسافر يمر عبر مطاراتها.
ولم يعد نجاح المطار يقاس بعدد الطائرات أو المسافرين فحسب بل بقدرته على تحقيق عائد اقتصادي من الخدمات المحيطة بالسفر، فالمتاجر العالمية والمطاعم وصالات الضيافة والفنادق والخدمات الرقمية أصبحت مكونات أساسية في تصميم المطارات الحديثة، لأنها ترفع متوسط إنفاق المسافر وتوفر مصدر دخل أكثر استقرارا من الإيرادات التقليدية المرتبطة بحركة الطيران التي تتأثر بالدورات الاقتصادية والأزمات العالمية.
ويفسر هذا التحول حجم الاستثمارات التي تضخها الحكومات في تطوير مطاراتها، إذ لم تعد هذه المشاريع تستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية فقط بل تحويل المطار إلى منصة اقتصادية تدعم السياحة والتجزئة والاستثمار وتمنح الوجهة ميزة تنافسية في سوق السفر العالمي، الذي يشهد منافسة متزايدة على جذب المسافرين وشركات الطيران.

عندما يصبح المطار وجهة سياحية بحد ذاته
أدركت بعض المطارات العالمية مبكرا أن المسافر لم يعد يبحث عن رحلة مريحة فقط بل عن تجربة متكاملة تبدأ قبل الصعود إلى الطائرة، لذلك اتجهت إلى تطوير مرافقها لتتحول إلى وجهات يقصدها الزوار حتى دون نية السفر، وهو ما منحها ميزة تنافسية وعزز مساهمتها في الاقتصاد والسياحة.
ويعد مطار شانغي في سنغافورة أبرز نموذج لهذا التحول، إذ يضم مجمع Jewel Changi الذي يحتوي على أكبر شلال داخلي في العالم بارتفاع 40 مترا وحدائق استوائية ومئات المتاجر والمطاعم وفندقا ومرافق ترفيهية، ما جعله معلما سياحيا يستقطب ملايين الزوار سنويا سواء كانوا مسافرين أو من سكان سنغافورة.
وفي المنطقة نجح مطار حمد الدولي في قطر في ترسيخ مكانته كوجهة عالمية بعد فوزه مرات عدة بلقب أفضل مطار في العالم، مستفيدا من تصميمه المعماري ومجموعته الفنية وتجربة السفر المتكاملة، كما يبرز مطار دبي الدولي كأحد أنجح النماذج في تحويل المطار إلى مركز تجاري عالمي، إذ حققت دبي للأسواق الحرة مبيعات قياسية بلغت 8.68 مليار درهم (2.38 مليار دولار) خلال العام 2025 بزيادة تقارب 10 % على العام السابق، ما يعكس حجم الإنفاق الذي يمكن أن تحققه المطارات عندما تتحول إلى جزء من التجربة السياحية وليس مجرد نقطة عبور، أما مطار إسطنبول فقد صمم ليكون أكثر من مركز للنقل الجوي إذ يضم منطقة تجارية وترفيهية واسعة تعكس الهوية التركية وتستهدف رفع متوسط إنفاق المسافرين خلال فترة العبور.
وتكشف هذه النماذج عن أن المنافسة بين المطارات لم تعد تقوم على سرعة إنهاء إجراءات السفر أو عدد الرحلات فقط، بل على جودة التجربة التي تقدمها للمسافر، فالمطار الذي ينجح في تحويل ساعات الانتظار إلى تجربة تسوق أو ترفيه أو استكشاف ثقافي لا يعزز إيراداته فحسب، بل يرفع جاذبية الوجهة السياحية بأكملها ويشجع المسافرين على العودة إليها مستقبلا أو تمديد مدة إقامتهم. ولهذا أصبحت المطارات جزءا من الاستراتيجية السياحية في العديد من الدول باعتبارها أول نقطة تواصل بين الزائر والوجهة والواجهة التي تشكل انطباعه الأول عن مستوى الخدمات وجودة التجربة التي تنتظره خارج أسوار المطار.

مطار البحرين الدولي..  فرصة لتعزيز تنافسية السياحة
بالنسبة إلى البحرين لا يقتصر تطوير مطار البحرين الدولي على زيادة قدرته التشغيلية بل يمثل استثمارا في تعزيز تنافسية القطاع السياحي ورفع مساهمته في الاقتصاد الوطني، فمع افتتاح مبنى المسافرين الجديد ارتفعت الطاقة الاستيعابية للمطار إلى نحو 14 مليون مسافر سنويا مع توفير مرافق حديثة وخدمات رقمية ومساحات تجارية تعزز تجربة السفر منذ لحظة الوصول حتى المغادرة.
ويعكس هذا التطور جودة الخدمات التي يقدمها المطار بعدما حصد في العام 2025 ثلاث جوائز مرموقة ضمن جوائز سكاي تراكس العالمية للمطارات، أبرزها لقب أفضل مطار في العالم لفئة المطارات التي تستقبل بين 5 و10 ملايين مسافر سنويا، إلى جانب جائزتي أنظف مطار في العالم ضمن الفئة نفسها، وأنظف مطار في الشرق الأوسط، وهو ما يعزز مكانة البحرين على خريطة المطارات العالمية ويؤكد أن تجربة المسافر أصبحت أحد عناصر التنافسية السياحية للمملكة.
وتأتي هذه الاستثمارات بالتوازي مع الاستراتيجية الوطنية للطيران 2026 - 2030 التي تستهدف توسيع شبكة الوجهات المباشرة من 66 وجهة إلى 100 وجهة بحلول العام 2030، بما يعزز ربط البحرين بالأسواق العالمية ويزيد قدرتها على استقطاب السياح ورحلات الأعمال والمؤتمرات. ولا تقتصر أهمية المطار على دوره في نقل المسافرين بل تمتد إلى تحفيز قطاعات اقتصادية متعددة، فكل رحلة جديدة تعني طلبا إضافيا للفنادق والمطاعم ووسائل النقل ومراكز التسوق والأنشطة الترفيهية، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنفاق السياحي. وتشير البيانات الرسمية إلى أن الإيرادات السياحية في البحرين تجاوزت ملياري دينار خلال العام 2025 فيما سجل قطاع أنشطة خدمات الإقامة والطعام نموا بنسبة 6.4 % ليكون من أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد البحريني.
كما بدأت الأنشطة التجارية المرتبطة بالمطار تعكس هذا الزخم، إذ أعلنت شركة Bahrain Duty Free Shop Complex تحقيق إيرادات بلغت 6.58 مليون دينار بحريني خلال العام 2025 مقارنة بـ6.05 مليون دينار في العام 2024 بنمو يقارب 8.8 %، في مؤشر على استمرار نمو النشاط التجاري المرتبط بحركة المسافرين وأهمية تطوير مرافق التجزئة والخدمات داخل المطار لدعم العوائد السياحية والاقتصادية.
وفي ظل المنافسة المتزايدة بين وجهات الخليج لم يعد نجاح المطار يقاس بحجم حركة الطيران فقط بل بقدرته على أن يكون بوابة تعكس هوية البحرين وترفع جودة تجربة الزائر منذ اللحظة الأولى، فكل تحسين في تجربة الوصول وسرعة الإجراءات وتنوع الخدمات يسهم في تعزيز الصورة الذهنية للمملكة ويزيد فرص عودة السائح مرة أخرى، وهو ما يجعل مطار البحرين الدولي أحد الأصول الاستراتيجية الداعمة لنمو السياحة خلال السنوات المقبلة.  

الانطباع الأول.. كيف يصنع المطار قيمة اقتصادية للوجهة السياحية؟
في صناعة السياحة لا تبدأ تجربة الزائر عند الفندق أو المعلم السياحي بل منذ اللحظة التي يهبط فيها في المطار، فسرعة إنجاز الإجراءات وسهولة التنقل وجودة الخدمات والتصميم الذي يعكس هوية الدولة جميعها عوامل تشكل الانطباع الأول، وهو انطباع قد يؤثر في تقييم السائح للوجهة بأكملها وقراره بالعودة إليها مستقبلا.
وتشير الدراسات إلى أن تجربة الوصول أصبحت أحد عناصر التنافس بين الوجهات السياحية، خصوصا مع تزايد خيارات السفر عالميا، فالمطار الذي يوفر تجربة سلسة ومريحة لا يعزز رضا الزائر فحسب بل يشجعه على قضاء وقت أطول في الوجهة والإنفاق بصورة أكبر على الإقامة والمطاعم والتسوق والأنشطة الترفيهية، وهو ما يرفع العائد الاقتصادي من كل سائح بدلا من التركيز على زيادة أعداد الزوار فقط.
ولهذا لم تعد المطارات تصمم باعتبارها مرافق للنقل بل كجزء من الهوية السياحية للدولة، فالعمارة والفنون والمنتجات المحلية والمطاعم التي تقدم المطبخ الوطني أصبحت أدوات للترويج للوجهة منذ اللحظات الأولى بما يمنح الزائر تجربة تعكس ثقافة البلد ويترك أثرا إيجابيًا يدعم سمعته السياحية.
وبالنسبة إلى البحرين فإن تعزيز تجربة المسافر في مطار البحرين الدولي يمثل فرصة لترسيخ صورة المملكة كوجهة تجمع بين سهولة الوصول وجودة الخدمات وكرم الضيافة، ومع احتدام المنافسة الإقليمية على استقطاب السياح لن يكون المطار مجرد بوابة عبور بل أحد العناصر التي تميز الوجهة البحرينية وتزيد قدرتها على جذب الزوار وتعظيم القيمة الاقتصادية التي يحققها كل مسافر.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

Read Entire Article