الصاروخ لا يحمل فقط مادة متفجرة، بل يحمل رسالة سياسية كاملة. وما شهدته العاصمة المنامة من استهداف فندقين ومبنى سكني، إلى جانب الهجوم الصاروخي الإيراني الآثم الذي طال إحدى وحدات مصفاة بابكو إنرجيز، ليس حادثًا عسكريًّا عابرًا، بل عدوانًا واضحًا يكشف محاولة خطيرة لنقل الصراع إلى قلب المدن الآمنة واستهداف الاقتصاد في مملكة البحرين ودول الخليج.
هذه الصورة ليست جديدة في التاريخ. ففي الحرب العالمية الثانية، عندما قصفت الطائرات الألمانية العاصمة البريطانية لندن في عام 1940 فيما عُرف تاريخيًّا بـ”البلتز”، كان الهدف الحقيقي ليس المواقع العسكرية فحسب، بل ضرب الحياة المدنية وإثارة الخوف داخل المجتمع. وقد اعتبر المؤرخون لاحقًا أن استهداف المدن كان علامة على انزلاق الحرب إلى مرحلة تتجاوز القواعد العسكرية التقليدية.
غير أن العالم بعد تلك الحرب خرج بدرسٍ قاسٍ. فقد أدى الدمار الهائل في أوروبا وآسيا إلى صياغة قواعد قانونية صارمة لتنظيم الحروب. فجاءت اتفاقيات جنيف لعام 1949 لتؤكد مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وتضع قاعدة واضحة تقول إن المدنيين والمنشآت المدنية لا يجوز أن يكونوا هدفًا للهجوم.
منشآت مدنية بحتة
ومن هنا فإن استهداف فندقين ومبنى سكني في المنامة لا يمكن تفسيره إلا باعتباره انتهاكًا صريحًا لهذه القواعد الدولية. فالفنادق والمباني السكنية بطبيعتها منشآت مدنية بحتة، ولا يمكن تحت أي ذريعة اعتبارها أهدافًا عسكرية. ولذلك فإن العدوان الإيراني في هذه الحالة يمثل خروجًا واضحًا على قواعد القانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة.
لكن الصورة لا تكتمل إلا بالنظر إلى البعد الاقتصادي لهذه الهجمات. فالمدن الخليجية، وعلى رأسها المنامة، ليست مجرد عواصم سياسية، بل مراكز اقتصادية إقليمية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تحولت البحرين إلى مركز مالي مهم في الخليج، عندما أصبحت المنامة مقرًا لعشرات المصارف والمؤسسات المالية الدولية.
وهذا الدور الاقتصادي لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة سياسة طويلة قامت على الانفتاح والاستقرار. ولذلك فإن استهداف العاصمة بالصواريخ يحمل رسالة تتجاوز حدود الضرر المادي؛ إنه محاولة لضرب صورة الاستقرار التي بنتها البحرين على مدى عقود.
جاهزية البنية التحتية
أما الهجوم الذي استهدف إحدى وحدات مصفاة بابكو إنرجيز، فإنه يفتح بابًا آخر لفهم طبيعة هذا العدوان. فالمصفاة ليست مجرد منشأة صناعية، بل جزء من تاريخ الطاقة في الخليج. ففي عام 1932 اكتُشف النفط في البحرين، ليكون أول اكتشاف نفطي في شبه الجزيرة العربية. ومنذ ذلك الوقت أصبحت البحرين جزءًا أساسيًا من منظومة الطاقة في المنطقة.
ومع تطور الصناعة النفطية، تحولت مصفاة البحرين إلى واحدة من أهم المصافي في الخليج، حيث تستقبل النفط وتعالجه وتعيد تصديره إلى الأسواق العالمية. ولهذا فإن استهدافها، حتى وإن أدى إلى حريق محدود جرى إخماده بسرعة، يمثل محاولة واضحة لاستهداف البنية التحتية الاقتصادية للبحرين.
لكن اللافت في هذه الحادثة أن الحريق جرى احتواؤه بسرعة، ولم تُسجل أي إصابات، وهذه النقطة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل مؤشر على جاهزية البنية التحتية الصناعية في البحرين وقدرتها على التعامل مع مثل هذه الاعتداءات.
حرب الناقلات
ولو عدنا إلى التاريخ القريب في المنطقة، لوجدنا أن استهداف المنشآت النفطية ليس أمرًا جديدًا. ففي ثمانينيات القرن الماضي، خلال الحرب العراقية الإيرانية، شهد الخليج ما عُرف بـ”حرب الناقلات”، عندما تعرضت السفن النفطية والمنشآت المرتبطة بالطاقة لهجمات متكررة. وكان الهدف في تلك المرحلة الضغط على الاقتصاد وإرباك حركة الطاقة العالمية.
لكن التجربة التاريخية أثبتت أن مثل هذه السياسات لم تحقق أهدافها السياسية. فاقتصاديات الطاقة الحديثة تعتمد على شبكة واسعة من الإنتاج والنقل والتكرير، وهو ما يجعل تعطيلها بالكامل أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن زاوية أخرى، فإن العدوان الإيراني على البحرين يكشف أيضًا عن محاولة لتوسيع دائرة التوتر في المنطقة. فاستهداف المدن والمنشآت المدنية لا يمكن اعتباره عملًا عسكريًا مشروعًا، بل هو سلوك عدواني يهدد الأمن الإقليمي ويقوض قواعد العلاقات الدولية.
سرعة الاستجابة
ومع ذلك، فإن ما حدث يكشف في الوقت نفسه عن عنصر مهم في إدارة الأزمات في البحرين، وهو سرعة الاستجابة ووضوح المعلومات. فقد أعلنت الجهات الرسمية طبيعة الهجوم، وأكدت محدودية الأضرار وعدم وقوع خسائر في الأرواح، إضافة إلى استمرار العمليات في مصفاة بابكو إنرجيز بشكل طبيعي.
وفي عالم الاقتصاد الحديث، تلعب المعلومة دورًا لا يقل أهمية عن الحدث نفسه. فعندما تكون المعلومات واضحة وموثوقة، تستطيع المجتمعات والأسواق أن تتعامل مع الأزمات بثقة أكبر.
الاستقرار السياسي والاقتصادي
العدوان الإيراني الذي استهدف العاصمة والمنشآت الاقتصادية في البحرين لا يمثل مجرد حادث أمني، بل هو تحدٍ مباشر لقواعد القانون الدولي ولمفهوم أمن المدن في المنطقة.
إن حماية المدن والمنشآت المدنية ليست مجرد مسألة أمنية، بل ضرورة للحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة.
وفي حالة البحرين، فإن الرسالة التي يبعثها هذا الحدث واضحة: الاعتداءات قد تحدث، لكن الدول التي تبني قوتها على الاستقرار والمؤسسات القوية قادرة دائمًا على احتواء الأزمات ومواصلة مسيرتها بثقة وثبات.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.
