الطبقة الوسطى الركيزة الصامتة للازدهار والاستقرار

2 months ago 13
عماد الاستقرار ونقطة الانطلاق للنمو الاقتصادي

حين أشار سمو ولي العهد رئيس الوزراء إلى أهمية الحفاظ على الطبقة الوسطى وتعزيز قوتها الشرائية، لم يكن يصف شريحة اجتماعية عادية، بل كان يضع يده على مفتاح من مفاتيح استقرار الدول ونموها الاقتصادي.

الطبقة الوسطى هي الشريحة الأوسع التي تمسك بخيوط التوازن بين الفئات، وتؤدي دورًا مزدوجًا كمحرك للإنتاج ومستهلك للسلع، وبذلك فهي العمود الفقري لأي اقتصاد.

وبحسب البنك الدولي، تُصنف الطبقة الوسطى عالميًا بأنها الأسر التي يتراوح دخلها اليومي بين 10 و50 دولارًا للفرد بعد احتساب القوة الشرائية. هذه الطبقة هي الأكثر مساهمة في سوق العمل، وهي الأكثر استهلاكًا للخدمات التعليمية والصحية، والأكثر التزامًا ضريبيًّا.

في دول مثل الولايات المتحدة، تمثل الطبقة الوسطى حوالي 50 - 60 % من السكان، لكنها انخفضت تدريجيًا خلال العقود الأخيرة، ما أثار القلق حول الفجوة المتزايدة في توزيع الدخل.

في الدول الخليجية، وخصوصًا البحرين والسعودية، تتكون الطبقة الوسطى من الموظفين الحكوميين، وأصحاب الأعمال، والمختصين في القطاعات التقنية والخدمية. وهي الفئة التي تستند إليها الرؤى الاقتصادية الطموحة، بما في ذلك رؤية البحرين 2030 ورؤية السعودية 2030، لتحقيق تنويع اقتصادي ونمو مستدام.

تعزيز القوة الشرائية

القوة الشرائية للطبقة الوسطى هي المحرك الأول للدورة الاقتصادية في أي مجتمع. حين تتراجع هذه القوة، يتأثر الطلب الكلي، وتنكمش الأعمال، ويزداد الضغط على الدعم الحكومي.

وبحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام 2023، فإن تآكل القوة الشرائية في الدول المتقدمة كان سببًا في تباطؤ النمو الاقتصادي وازدياد الشعور بعدم الرضا الاجتماعي والسياسي.

في المقابل، عندما تُعزز هذه القوة، يزيد الاستهلاك الداخلي، وتزدهر المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتُخلق وظائف جديدة، وينمو الناتج المحلي. في الهند مثلًا، ساهم ارتفاع دخول الطبقة الوسطى بنسبة 14 % بين عامي 2015 و2022 في تضاعف إنفاقها على التعليم والتقنيات الرقمية، مما أدى إلى طفرة في قطاعي الخدمات والتكنولوجيا.

كيف يمكن دعمها؟

تتبنى الدول الناجحة سياسات متعددة لتقوية الطبقة الوسطى، منها:

- السياسات الضريبية التيسيرية مثل الإعفاءات أو تخفيض الضرائب على الأسر المتوسطة الدخل.

- ضبط الأسعار والتضخم من خلال دعم السلع الأساسية أو تنظيم السوق.

- تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، فتقليل كلفة هذه الخدمات ينعكس إيجابًا على دخل الأسرة الحقيقي.

- برامج الإسكان الميسر.

- التحول الرقمي والخدمات الحكومية الذكية مما يقلل الأعباء المالية والبيروقراطية.

تجارب عالمية

في الولايات المتحدة، أظهرت دراسة لمعهد بروكينغز (2023) أن انكماش الطبقة الوسطى من 61 % إلى 50 % منذ عام 1970 أدى إلى ارتفاع الاستقطاب السياسي والاجتماعي. ومن أجل استعادة التوازن، أُطلقت مبادرات مثل “Build Back Better” التي تستهدف خفض كلفة التعليم والرعاية الصحية.

ألمانيا من جهتها، تعتبر الطبقة الوسطى أساس الاقتصاد الاجتماعي، ولذلك تركز سياساتها على تأمين الاستقرار الوظيفي، وتوسيع التدريب المهني، ودعم الأسر العاملة عبر منح نقدية سنوية.

في الخليج، تمثل تجربة السعودية نموذجًا ملهمًا؛ حيث بدأت خلال السنوات الأخيرة بتنويع الاقتصاد وتوطين الوظائف، ما أدى إلى نمو الطبقة الوسطى بنحو 12 % بين 2018 و2023. كما أن نظام حساب المواطن في السعودية، وبرنامج الدعم الحكومي في البحرين، ساهما في حماية هذه الطبقة من تبعات الأزمات الاقتصادية.

مستقبل الدول

الحفاظ على الطبقة الوسطى وتعزيز قدرتها على الإنفاق هو استثمار في استقرار الدول. ليس فقط لأن هذه الفئة تشكل الأغلبية، بل لأنها الرابط بين الفئات الاجتماعية، وصمام أمان في وجه الأزمات.

في عالم يواجه ضغوطًا اقتصادية متلاحقة، تبدأ معادلة الازدهار بدعم الطبقة التي تحمل على عاتقها عبء الإنتاج والإنفاق في آنٍ واحد.

تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

Read Entire Article