تنويع التنويع .. مشروع إنقاذ للاقتصاد والنماء المستدام
نحتاج ربع قرن جديد للوفاء بتنقية التقنية والدفع بـ”الرقمية”
توطين التكنولوجيا وتوظيف رؤوس الأموال في البحث العلمي
لابد أن نكون أكثر براجماتية مع الاستثمارات النوعية
الشجاعة لا التهور لإقامة صروح علمية بمحتوى اقتصادي
مطلوب تشريعات لحماية الاستثمارات طويلة الأجل
المراعاة الضرورية من تقلبات أسعار الفائدة والصرف وحالة الأسواق
المستثمر ليس بقرة حلوب أو طائرًا محلقًا بجناح وحيد
المستقبل الاقتصادي سيزدهر في الخدمات الممتازة والاستثمار في العقول
نحتاج 2 إلى 3 % من الدخل لدعم البحوث الرقمية الفارقة
لابد من الإنفاق على مشروع وطني يضع الاستثمار العلمي في المقدمة
الانفتاح على “الآخر” يعالج محدودية سوق البحرين
نحتاج تسويقًا مبرمجًا للاعتمادية الأكاديمية إقليميًا وعالميًا
ما إن حلَّ علينا عام 2026 حتى قامت الدنيا ولم تقعد، انبرى الخبراء في توزيع قلقهم على الأسواق بدلاً من توزيع الحلوى احتفاءً بالسنة الميلادية الجديدة، ساد التشاؤم أوساط المستثمرين، وجموع الاقتصاديين، وأرقام وحسابات الشركات والمصارف والدول، بدأت بعض الحكومات في الإعلان المبكر عن معدلات النمو الاقتصادي المتوقعة، وبدأت أشباح الركود والتضخم والركود التضخمي تلوح من بعيد مهددة مخادعنا، تمامًا مثلما بدأت الإجراءات الاحترازية لبعض الدول تتخذ موقع الاستعداد لمواجهة عاصفة مع أزمات اقتصادية متلاحقة.
صندوق النقد والبنك الدوليين من جانبهم أشهروا أسلحتهم في وجه الأزمة المحدقة على طريقتهم الخاصة، بدأوا في توزيع روشتة العلاج بالاستغناء عن الدعم للمحروقات، ثم انبروا باتجاه تكاليف استخدامات الطاقة بأنواعها، ثم .. وثم، الأمر الذي فرض علينا في مملكة البحرين الوقوف صفًا واحدًا لمواجهة المستقبل الصعب، الجميع في قارب واحد ولا يمكن لأحد التغريد خارج السرب، أو السباحة ضد التيار. هنا يخرج الهاجس الأبدي لاقتصاد متنوع مثل اقتصادنا الوطني، اقتصاد لا يعتمد في مجمله على النفط رغم هيمنته على الميزانية ومساهمته المحورية في الناتج المحلي الإجمالي.
رغم ذلك مازال قطاع الخدمات المصرفية متربعًا على عرش التنويع، بل وعلى مقاعد الأخذ بالأسباب، ورغم ذلك يُقال أنه قد تشبع بالنمو، وأن سقف الإنجازات قد تجاوز الحدود الممكنة، وأن البحث عن معين وليس بديلاً أصبح من الأهمية بمكان بحيث يفي بمتطلبات التنمية المستدامة، ويغطي الاحتياجات الرؤيوية لاستراتيجية البحرين 2030 - 2050.
كيف يمكن النظر إلى هذه الرؤية من ثقب الفرص المتاحة، من تحت عتبة الباب الموصد في وجه غير المجتهدين، وغير العالمين ببواطن الأمور، وهؤلاء العاجزين عن تحويل الأزمات إلى فرص، والفرص إلى مشاريع واعدة، وقيم مضافة صاعدة، واقتصاد وطني لا يطلب الدعم ولا يحتاج للمساعدة.
بالعِلم وحده
“البلاد” في حواراتها الأسبوعية تفتح ملف البدائل والفرص وتنويع التنويع من بوابة “ما لا يدرك كله .. لا يترك جله”، ومن لا يحسن توظيف المتاح فإنه لا يدرك النجاح.
هذه المرة لن نستعين بخبير اقتصادي ليصنع معنا الرؤية، ويحدد لنا معالم الطريق، ولا لمسؤول مصرفي كي يملأ الدنيا أرقامًا وجداول وإبحارًا خارج الحدود، هذه المرة كان لابد أن نستعين بالعِلم لكي يفتح لنا أبواب النهوض بالمستقبل، بالبحث العلمي لكي يعالج لنا مشاكلنا الاقتصادية، للاستثمار في “المستحيل” لكي يحقق لنا المردود المسكوت عنه.
و.. “البلاد” تفتح ملف الفرص الضائعة وتلك التي يمكن العثور عليها بالعِلم وحده مع رائد التعليم الجامعي الأهلي ومؤسس أول جامعة خاصة في مملكة البحرين ورئيس رابطة الجامعات الخاصة الخليجية والمكتب التنفيذي لمؤسسات التعليم العالي الخاصة العربية، البروفيسور عبدالله يوسف الحواج.
صندوق الفرص المتاحة
إذا كان من الممكن التفكير من داخل الداخل في صندوق الفرص المتاحة وليس من خارجه، وإذا كان الاستثمار في التعليم والبحث العلمي يمكن أن يؤتي أُكله، كي ننهض بالاقتصاد ونواجه العجز المزمن في الموازنة العامة، وبالتالي إيجاد علاج شاف للمديونيات الصعبة المتلاحقة، أين المفر يا بروفيسور؟
- أتفق معك أن العالم كله يتحدث عن صعوبات وأزمات اقتصادية، عن عجوزات ومعضلات وعن أسعار فوق الخيال لكثير من السلع الأساسية والخدامات الضرورية، وصحيح أن مواجهة هذه المنعرجات لا يتم أبدًا بالحلول التقليدية، وهنا أستطيع التأكيد على أننا في هذه المنطقة من العالم مازلنا مقصرين في الاستفاة من التعليم والبحث العلمي، ومازالت أمامنا فرص متنوعة لابد من اغتنامها حيث يكمن الحل الوحيد أمامنا، وحتى لا ندخل في دوامة العجز المالي والتراجع الاقتصادي، هو أن نجعل اقتصادنا معتمدًا على المعرفة، وأن يتحول هذا الاقتصاد إلى “اقتصاد معرفة” وهو ما يفرض علينا عملاً شاقًا دؤوبًا يمتد لنحو ربع قرن من الزمان كي نعمل بجد وإخلاص وتفان في هذا الاتجاه، إذا كنا راغبين في الوصول إلى ما وصلت إليه الدول التي سبقتنا وتلك التي سوف تعاني اقتصاديًا مثلنا. هنا لا يجب أن نجهر بالقول: حينها – أي عندما تقع “الفأس في الرأس” يحلها ألف حلال.
لذلك، فإن المقصود هنا وبعبارات واضحة أن نعمل لزيادة الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي، وأن نبدأ فورًا ومن دون تأجيل بدايات حقيقية وفاعلة في توطين التكنولوجيا وعلوم المعرفة، بل وأن نبدأ من دون تلكؤ في إنتاج المعرفة ومنها إنتاج اللوازم والضروريات كي نتحول تدريجيًا إلى دول منتجة للحضارة بدلاً من أن نرضى بأن نكون دولاً مستهلكة لها فقط.
رسالة وطنية
هذا التصور يا بروفيسور يحتاج بكل تأكيد إلى تعاون وثيق وتفهم دقيق بين مختلف الجهات المسؤولة عن التعليم، وتلك القائمة على صناعة القرار الاقتصادي، هل أنت معي في هذا التصور؟
- نعم .. من دون شك لا يمكننا أن نصفق بيد واحدة، حيث إن المفروض بل والمطلوب أن نتعاون مع جميع الجهات لتحقيق حلم أن تصبح مملكة البحرين في موقعها الطبيعي الطليعي بين شقيقاتها في دول مجلس التعاون الخليجي، وأن تتحول بالفعل لكي تكون على مستوى طموحنا التاريخي كقِبلة للتعليم العالي الابتكاري.
فلوا استطعنا – وفقًا لرؤية البروفيسور الحواج – أن نعمل معًا، وإذا تمكنّا من توصيل الرسالة بدقة وعناية لجميع الجهات المعنية، من قمة الهرم الإداري إلى القواعد التنفيذية الفاعلة، فإننا سنكون في طليعة الدول التي ستنجح بعون الله في التعاطي مع المتغيرات المتوقعة في دنيانا الاقتصادية الصعبة.
القطاع الخاص والمسؤولية الاقتصادية
لكن يُقال أن القطاع الخاص دائمًا ما يكون مترددًا، ومتحفظًا على الاستثمار طويل الأجل، وهذا النوع من العمل المضني يحتاج دائمًا إما لشركات عملاقة أو لحكومات تتمتع بالإنفاق المالي الضخم على النواحي المعرفية والاستثمارات المعقدة، خاصةً تلك المرتبطة بالمشروعات الإبداعية الكبرى، كيف ترى هذه النظرة؟ وهل القطاع الخاص البحريني قادر بالفعل على ردم الفجوة ما بين الممكنات والمستحيلات؟
- القطاع الخاص يمتلك مثلما هو معروف نسبة كبيرة من الإمكانيات والموارد المادية والبشرية والتكنولوجية والخبرات المعرفية، لذلك فإن مهمتنا كمفكرين وأكاديميين أن نكون أكثر براجماتية وأعمق تواصلاً لأن العملية تحتاج إلى نوعية معينة من المستثمرين المؤمنين بأهمية الناتج الذي يمكن أن يتحقق على استثماراتهم وهذا أمر طبيعي، خاصةً إذا أحسنوا التوظيف واختيار الفرص، وكيفية الاستعادة من أخطاء الماضي.
وهنا أحب أن أذكر باجتلاء أن الاستثمارات تحتاج أيضًا إلى رؤية واضحة، وإلى شجاعة، وإلى إيمان وقناعة وإرادة ووعي، وإلا فإننا سنكون كالأمم النائمة التي لا تستفيد من أخطائها.
من طرف واحد
- وكيف يمكن يا بروفيسور إخراج القطاع من هذه الحالة - “حالة عدم التأكد” – هل بإصدار قوانين وتشريعات واضحة لحماية الاستثمارات مثلًا؟
- هذا السؤال مهم جدًا، ذلك أنه ينكأ الجراح، ويتعامل مع الاستشفاء برؤى أكثر وضوحًا من التي ننتظرها من طرف واحد وهو المستثمر، لابد إذًا أن تكون التشريعات لحماية الاستثمارات واضحة ومحددة ومجدولة زمنيًا وحصصيًا، مهم جدًا أن تكون محددة وليست فضفاضة، وأن نحقق المرجو منها ونزيل كل المخاوف والهواجس التي وضعت رجال أعمالنا أحيانًا في أوضاع لا يُحسدوا عليها، سواء المحليين أو الوافدين. توجد لدينا العديد من التجارب الإقليمية والعالمية التي يتم من خلالها تأمين الاستثمارات من تقلبات الأسواق، وأسعار الفائدة وسعر صرف العملة، ومعدلات التضخم، وحالة النشاط ومزاج القائمين عليه، وربط هذا النشاط بالخطط التنموية الكلية للوطن.
نحو اقتصاد الخدمات الممتازة
إذا كان الأمر كذلك، وإذا كان هذا الواقع قائمًا بالفعل على تشريعات قادرة على حماية الاستثمارات، وقوانين تعمل في صالح المستثمر ولا تنظر إليه كبقرة حلوب ينبغي أن تدر عائدًا مجزيًا طول الوقت من دون أن تحظى بأية رعاية أو حماية أو دعم أو اهتمام من الدولة، هل يمكن أن تصدق نبوءتك بأنه إذا توفرت كل الظروف الإيجابية والأجواء الآمنة بأن الاستثمار في التعليم يمكن أن يدر علينا أكثر من ملياري دينار بحريني سنويًا، وهو رقم يضاهي في حجمه ما يدره قطاع النفط وأنشطة المصارف والصناعات الثقيلة والتحويلية، كيف يتحقق لنا ذلك سيدي خاصةً أنك لم تشر بوضوح إلى الكيفية والوسيلة، وهل أن تلك الرؤية مازالت على قيد الحياة حتى يومنا هذا؟
- ما زلت مؤمنًا إيمانًا لا يتزعزع بأن دولة مثل مملكة البحرين بحجمها وعمقها وتعدادها وطموحها لابد وأن تحول اقتصادها إلى اقتصاد للخدمات الممتازة، وأن تكون نموذجًا يُحتذى في محيطها الإقليمي، وهنا أركز مرة أخرى على أن ما تتميز به البحرين من شعب منفتح، واع، متعلم وله تاريخ، وحكومة فاعلة ومتفهمة ومتناغمة مع مختلف أطراف وأطياف المؤسسة التعليمية والجهات ذات العلاقة، فإنني أستطيع القول بأن هذا كله يعتبر مقدمات لاستقطاب طلبة دوليين، خاصةً أن وجود أكثر من 15 جامعة خاصة يؤكد مدى الجدوى الاقتصادية من زيادة الاستثمارات في هذا القطاع المهم، وعلى سبيل المثال لو أن هذه الجامعات تمكنت من استقطاب ألفين إلى ثلاثة آلاف طالب دولي، فإننا نتكلم عن إنفاق مباشر في شرايين الاقتصاد الوطني يتراوح بين 30 - 45 ألف طالب وافد، وعلى سبيل المثال لو أنفق كل طالب في حدود 25 ألف دينار سنويًا، ما بين الرسوم الجامعية ونفقات المعيشة والإقامة والخدمات الأخرى، فإننا نتحدث عن أكثر من مليار دينار بحريني سنويًا، وهذه ليست بالعملية الصعبة إطلاقًا لكنها بحاجة إلى تخطيط سليم، وإلى تعاون وثيق، وتفاهم عميق بين مختلف الجهات القائمة على العملية التعليمية في المملكة.
فلوس البحث العلمي
- هذا الوضع يجرنا إلى ما نتحدث عنه دائمًا بخصوص الاستثمار في البحث العلمي، كيف يمكن تحقيق هذا النوع من الاستثمار النوعي لمردود اقتصادي مباشر على الدولة؟
- مما لا شك فيه أن الاستثمار في البحث العلمي، بتخصيص ما بين 2 - 3 % من ميزانية الدولة وتوجيهها لهذا المجال مباشرة، فإنه سوف يحقق مردودًا اقتصاديًا مباشرًا إذا كانت التشريعات واضحة، واللوائح محددة ومؤكدة على التزام المؤسسات الكبرى بتخصيص نسبة مئوية يتم استقطاعها من دخلها السنوي مثلما هو الحال في الدول المتقدمة.
هذا يعني أن البحث العلمي في حد ذاته يمكنه أن يضع حدًا نهائيًا لمشكلاتنا الاقتصادية، مثلاً لإيجاد حلول لمشكلات المديونيات الصعبة، للتضخم، لتراجع مستويات المعيشة، لمشكلات المؤسسات الاقتصادية العملاقة؟
- لابد وأن تكون لدينا رسالة وطنية عليا واضحة، من خلالها يمكن تحديد الأولويات، وعن طريقها لابد من نوجيه البحوث العلمية نحو المشاريع المؤثرة في اقتصادنا، وتلك التي تحقق قيمة مضافة أعلى، أو تلك التي تعالج مشكلات حيوية تعرقل نمو هذه المؤسسات وتعيق حركتها وحريتها في الإنتاج والتسويق والتنافسية.
الاقتصاد الحر
المعروف يا سيدي أن البحرين صغيرة، واقتصاديات الحجم تفرض علينا تحديد في إعداد الجامعات، وتحجيم منح التراخيص بإنشاء المزيد منها، ما رأيك؟ وهل يعوق ذلك دعوتك المفتوحة لزيادة الاستثمار في التعليم الجامعي الخاص؟
- بطبيعة الحال إن اقتصادنا حر، ولا يمنع التوسع في تأسيس أية مشاريع جامعية أو اقتصادية، مربط الفرس هي دراسة الجدوى، دراسات الأسواق، بحوث الحجم، وكيفية النفاذ بسلطان. طبعًا أي شيء لو زاد عن حده.. انقلب إلى ضده، وصحيح أن سوقنا البحرينية محدودة لمحدودية السكان، لكن الصحيح أيضًا أن استقطاب الطلبة الوافدين من المنطقة والعالم يمكنه أن يحل هذه المعضلة، بل وعن طريق هذا التوجه فإننا قد نحتاج إلى مزيد من الجامعات النوعية والتخصصية، وتلك التي تتعامل مع التكنولوجيا الفارقة، والذكاء الاصطناعي، والرقمية، بآفاق أكثر اتساعًا وإنتاجًا للمعرفة، فقط نحتاج تسويقا للاعتمادية الأكاديمية لبرامجنا، وأن تكون هذه الاعتمادية معترف بها في الدول الشقيقة والصديقة، وهو ما سعينا إليه مبكرًا ومازلنا نجني ثماره ونحقق من خلاله الكثير.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.
